كيف تتحول حماقة الفرد إلى منظومة للسلطة؟ وكيف يصبح تدمير الثروة والمستقبل نتيجة منطقية لسياسات تحكمها القرارات الغبية؟ حين يصبح الغباء نظامًا…
ليست الحضارات بالضرورة ضحية أعدائها، ولا تسقط دائمًا تحت ضربات الحروب أو بفعل الأزمات الاقتصادية أو نقص الموارد، فثمة نمط آخر من الانهيار أكثر خفاءً وأشد فتكًا، حين تتحول الحماقة من سلوك فردي عابر إلى ظاهرة مؤسسية، ومن خلل في تقدير الأمور إلى طريقة في إدارة الدولة، ومن عجز عن فهم الواقع إلى سلطة تمتلك القدرة على إعادة تشكيله وفق تصوراتها المختلة.
عند هذه اللحظة لا تعود المشكلة في وجود أشخاص قليلي الكفاءة داخل مؤسسات المجتمع، فذلك أمر عرفته كل العصور، وإنما في أن تصبح قلة الكفاءة معيارًا للاختيار والترقي، وأن تتحول مقاومة المعرفة إلى فضيلة، والاعتراض العقلاني إلى تهمة، وأن يُنظر إلى الكفاءة باعتبارها مصدر تهديد لا قيمة مضافة.
هنا نكون أمام مفارقة تاريخية بالغة الخطورة: المجتمع الذي ينتج المعرفة ويحتاج إليها من أجل البقاء، قد ينتهي إلى بناء منظومة تعاقب من يمتلكونها، وتكافئ من يفتقرون إليها، وعندما يحدث ذلك، لا تكون الحماقة مجرد صفة في بعض الأفراد، بل تصبح قوة منظمة لإهدار الموارد، وإفساد المؤسسات، وتبديد الفرص، وتدمير القدرة على تصحيح الأخطاء، إنها اللحظة التي تنتقل فيها الحماقة من علم النفس إلى الاقتصاد السياسي، ومن المجال الفردي إلى المجال الحضاري.
ولفهم هذه الظاهرة، يقدم المؤرخ والاقتصادي الإيطالي كارلو ماريا تشيبولا (Carlo M. Cipolla)، في دراسته الشهيرة "القوانين الأساسية للغباء البشري" (The Basic Laws of Human Stupidity)، مدخلًا فكريًا بالغ الدلالة، لا لأنه يقدم نظرية اقتصادية مكتملة لانهيار الدول، بل لأنه يضع أيدينا على أحد أكثر مصادر التدمير الاجتماعي استعصاءً على التفسير التقليدي: الإنسان الذي يتسبب في خسائر للآخرين، دون أن يحقق لنفسه مكسبًا حقيقيًا، بل قد يلحق الضرر بنفسه أيضًا.
وهذه الفكرة، حين نضعها في سياق السلطة والاقتصاد والمؤسسات، تكشف عن آلية تدميرية تتجاوز حدود السلوك الفردي، وتفسر كيف يمكن لمجتمع أن يمتلك الموارد والعقول والفرص، ثم يعجز عن تحويلها إلى رفاهية عامة أو قوة إنتاجية مستدامة.
وينطلق تشيبولا من خمس قواعد أساسية، تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى المفارقة الساخرة، لكنها تحمل في داخلها تصورًا عميقًا لطبيعة السلوك الإنساني وعلاقته بالمصلحة العامة، وتشرح كيف تصبح الحماقة خطرًا على المجتمع.
القانون الأول يقول إن البشر يميلون دائمًا إلى التقليل من العدد الحقيقي للأشخاص الأغبياء الموجودين بينهم، والمقصود هنا ليس مجرد انتشار ضعف المعرفة، وإنما صعوبة اكتشاف السلوك التدميري قبل أن تظهر نتائجه، فالأحمق قد يرتدي ثوب الخبير، ويتحدث بلغة الواثق، ويحتل موقعًا اجتماعيًا مرموقًا، ويستطيع أن يخدع الآخرين بمظاهر النجاح والسلطة، ولذلك فإن المشكلة لا تكمن فقط في وجوده، بل في أن المجتمع قد لا يتعرف إلى خطورته إلا بعد أن يصبح تأثيره واقعًا يصعب احتواؤه.
أما القانون الثاني فينقض الاعتقاد بأن الغباء يتوزع تبعًا للطبقة الاجتماعية أو المستوى التعليمي أو الموقع الاقتصادي، فالحماقة، لا تحترم الحدود الطبقية ولا الشهادات ولا المناصب، قد تجدها بين الفقراء والأثرياء، وبين المتعلمين وغير المتعلمين، وفي أدنى درجات السلم الإداري كما في قمته، وهذه ملاحظة مهمة سياسيًا؛ لأن الشهادة العلمية ليست ضمانة مطلقة للحكمة، كما أن الوصول إلى السلطة لا يمثل دليلًا على امتلاك القدرة على اتخاذ القرار.
ويأتي القانون الثالث، وهو قلب النظرية ومحورها، ليقدم التعريف الأكثر أهمية للغباء: الإنسان الغبي هو الذي يتسبب في خسائر لشخص آخر أو لمجموعة من الأشخاص أو لمجتمعٍ ما، بينما لا يحقق لنفسه أي مكسب، بل قد يلحق الضرر بنفسه أيضًا. ولكي يفسر تشيبولا هذا القانون، يرسم نموذجًا رياضيًا يقوم على محورين: المكاسب والخسائر التي يحققها الفرد لنفسه، والمكاسب والخسائر التي يتسبب فيها للآخرين، ومن خلال تقاطع المحورين تتشكل أربعة أنماط من السلوك.
هناك الإنسان الذكي، الذي يحقق مكسبًا لنفسه وللآخرين في الوقت ذاته، وهناك الإنسان العاجز أو المغلوب على أمره، الذي يتسبب في خسارة لنفسه بينما يحقق الآخرون مكاسب من سلوكه، وهناك اللص أو الانتهازي، الذي يحقق مكسبًا لنفسه على حساب خسائر الآخرين، ثم يأتي الإنسان الغبي، الذي يوقع الخسائر بالآخرين دون أن يحقق لنفسه منفعة مقابلة، وقد يخسر معهم.
والتقسيم هنا نموذج تفسيري للسلوك، وليس تصنيفًا نفسيًا تشخيصيًا ثابتًا للأشخاص، وتكمن عبقرية هذا النموذج في أنه يميز بين الشر والغباء، فالشرير، أو اللص، قد يكون شديد الذكاء في حساب مصالحه الخاصة، حتى وإن كان سلوكه مدمرًا للمجتمع، فهو يعرف ماذا يريد، ويحسب تكلفة أفعاله، ويسعى إلى الاستحواذ على نصيب أكبر من الثروة أو السلطة، أما الغبي، فهو الذي يتصرف بطريقة تفضي إلى إلحاق الضرر بالآخرين دون أن يكون قادرًا على إدراك حجم الضرر الذي يسببه، أو دون أن يمتلك القدرة على ربط قراراته بنتائجها.
وهذا الفارق بالغ الأهمية في الاقتصاد السياسي؛ لأن الانتهازية قد تستنزف المجتمع، لكنها تظل قابلة للتفاوض والمساومة أحيانًا، إذ يمكن مخاطبة المصلحة الخاصة وتغيير حساباتها، أما الحماقة المؤسسية فلا تستجيب بالضرورة للحوافز العقلانية؛ لأنها قد ترفض الاعتراف أصلًا بأن هناك مشكلة، وتعتبر كل محاولة للتصحيح اعتداءً على سلطتها أو تشكيكًافي شرعيتها.
القانون الرابع، تشيبولا يلفت الانتباه إلى أن الأشخاص غير الأغبياء يقللون باستمرار من القدرة التدميرية للأغبياء، وهذه نقطة تفسر جانبًا مهمًا من سلوك النخب المهنية والعلمية والإدارية؛ إذ يميل العقلاني إلى افتراض أن الآخرين يتصرفون وفق حسابات يمكن فهمها، وأن القرار الذي يبدو شديد الضرر لا بد أن تكون وراءه مصلحة خفية أو غاية استراتيجية، لكنه قد يكتشف متأخرًا أن بعض القرارات لا تحكمها مصلحة واضحة، وأن البحث عن منطق اقتصادي أو سياسي خلفها قد يكون عبثًا في بعض الأحيان.
أما القانون الخامس، وهو الأخطر في دلالته الاجتماعية، فيقرر أن الإنسان الغبي هو أخطر أنواع البشر، وأن الشخص الغبي أشد خطورة من الشخص الشرير، ولا تعني هذه المقارنة أن كل شرير أقل خطرًا من كل غبي في كل الظروف، وإنما أن الضرر الذي يصنعه السلوك الغبي قد يكون عصيًا على التنبؤ والاحتواء، لأنه لا يخضع بالضرورة لمنطق المكسب والخسارة، فالشرير قد يتوقف عندما تصبح تكلفة الاستمرار أكبر من عائده، أما الغبي فقد يواصل الهدم حتى بعد أن تصبح الخسائر شاملة، لأنه لا يرى العلاقة بين فعله والنتيجة، أو لأنه يفتقر إلى القدرة على مراجعة تصوره من الأساس.
وهنا نصل إلى السؤال الأهم: ماذا يحدث عندما لا يكون الغباء مجرد سلوك فردي، وإنما يصبح جزءًا من آلية اختيار القيادات وصناعة القرار وإدارة مؤسسات الدولة؟
ولفهم كيف يصل الإنسان من الوهم المعرفي إلى صناعة السلطة، أو كيف يصل غير الأكفاء إلى مواقع القرار، لا بد من الانتقال من اقتصاديات تشيبولا إلى علم النفس المعرفي، وبالتحديد إلى ما يعرف بتأثير دانينج - كروجر (Dunning-Kruger Effect). ففي عام 1999 نشر الباحثان جاستن كروجر وديفيد دانينج دراسة علمية بعنوان "غير الأكفاء وغير الواعين بعدم كفاءتهم"، خلصت إلى أن ضعف المهارة في بعض المجالات قد يقترن بضعف القدرة على تقييم الذات في المجال نفسه، فالشخص الذي لا يمتلك الأدوات اللازمة لأداء مهمةمعينة قد يفتقر أيضًا إلى الأدوات المعرفية التي تمكِّنه من اكتشاف أخطائه، فيصبح عاجزًا عن التمييز بين ما يعرفه بالفعل وما يتوهم أنه يعرفه.
وهنا تنشأ مفارقة معرفية خطيرة: الجهل لا ينتج فقط إجابات خاطئة، بل قد ينتج أيضًا ثقة مفرطة في صحة تلك الإجابات، فالكفاءة الحقيقية لا تعني امتلاك المعرفة وحدها، بل تتطلب كذلك إدراك حدودها، والقدرة على التمييز بين المعلومة والافتراض، وبين الاحتمال والحقيقة، وبين الثقة المستندة إلى الأدلة واليقين الذي لا يستند إلى شيء.
أما من يفتقر إلى هذه الأدوات، فقد يخلط بين بساطة تفسيره وبساطة الواقع، وبين ارتفاع صوته وقوة حجته، وبين قدرته على إصدار الأوامر وامتلاكه القدرة على إدارة النتائج.
وقد أظهرت الدراسة الأصلية لكروجر ودانينج أن المشاركين الذين جاء أداؤهم في الربع الأدنى من بعض الاختبارات بالغوا في تقدير مستوى أدائهم، لكن من الضروري علميًا ألا نحول هذه النتيجة إلى قانون يقول إن كل قليل الكفاءة مغرور، أو إن كل واثق من نفسه جاهل، فالتأثير يتعلق بسياقات ومهارات محددة، كما أن تفسيره وحجم ظهوره ظلا موضوعًا لنقاشات وأبحاث لاحقة. غير أن أهميته السياسية لا تكمن في تحويله إلى أداة لتصنيف الأشخاص، بل في فهم كيف يمكن للثقة غير المستحقة أن تتحول إلى ميزة داخل بيئة مؤسسية تكافئ الحسم الظاهري أكثر مما تكافئ المعرفة الحقيقية.
ويدرك المسؤول الكفء أن القرار الرشيد يحتاج إلى المعرفة والبيانات ومراجعة الخبراء، وأن الاعتراف بحدود قدراته ليس ضعفًا، بل شرط للنجاح، أما ضعيف الكفاءة، فقد يرى في الأسئلة تشكيكًا في سلطته، وفي الاعتراف بالخطأ انتقاصًا من مكانته، فيندفع إلى قرارات متسرعة، ثم يُحمِّل الآخرين مسؤولية إخفاقاتها، وحين تكافئ المؤسسة الولاء والثقة الظاهرية بدلًا من الكفاءة والنتائج، يتحول هذا الوهم المعرفي إلى ميزة للصعود والترقي، ويصبح الجهل، على نحوٍ متناقض، طريقًا إلى السلطة، لا عائقًا أمامها، وهنا يتجاوز تأثير دانينج - كروجر حدود الثقة المفرطة لدى الفرد، ليكشف كيف يمكن للحوافز المؤسسية المختلة أن تحول قصور المعرفة من عيب شخصي إلى مصدر للخلل في صناعة القرار.
ولا تحتاج المنظومة الغبية إلى أن يكون جميع العاملين فيها أغبياء، وهذه من أخطر الحقائق التي ينبغي إدراكها، فقد يبدأ الأمر بشخص محدود الكفاءة يصل إلى موقع مؤثر، ثم يستخدم سلطته في اختيار من يشبهونه في طريقة التفكير، أو من لا يشكلون تهديدًا لصورته، أو من يضمنون له غياب الاعتراض، وهكذا يصبح معيار الاختيار غير المعلن هو القدرة على التكيف مع المسؤول، لا القدرة على إنجاز المهمة، ومع مرور الوقت، تتغير طبيعة المؤسسة نفسها.
ففي البداية، قد يكون الخبير المستقل عنصرًا ضروريًا لاتخاذ القرار، لكن وجوده يصبح غير مريح لأنه يطرح أسئلة تكشف الثغرات، ثم يتحول النقد إلى مصدر إزعاج، وتصبح المبادرة المستقلة خروجًا على التعليمات، ويصبح الالتزام الحرفي بالتوجيهات دليلًا على حسن الأداء، حتى عندما تكون التوجيهات خاطئة، ثم تبدأ العملية الأكثر خطورة: "إزاحة الكفاءات".
وقد لا يحدث ذلك بقرار مباشر بالفصل أو الاستغناء، بل من خلال إقصاء تدريجي يبدأ بحرمان أصحاب الخبرة من المعلومات، أو تجاهل توصياتهم، أو تجاوزهم في مسارات اتخاذ القرار، أو تحميلهم مسؤولية إخفاقات لم يشاركوا في صنعها، وفي النهاية يختار بعضهم الانسحاب، بينما يتكيف آخرون مع المناخ الجديد، فيصمتون أو يخففون من حدة اعتراضاتهم حفاظًا على مواقعهم، وهنا تتشكل ما يمكن تسميته "الكتلة الحرجة للغباء المؤسسي".
والمقصود ليس أن عددًا معينًا من الأغبياء قد تجاوز نسبة رياضية ثابتة، بل أن أصحاب التفكير الضعيف أصبحوا هم من يمتلكون القدرة على تحديد قواعد العمل، وتوزيع الفرص، وتشكيل القيادات، والتحكم في المعلومات، ومعاقبة المخالفين، وبذلك تتحول الحماقة من صفة فردية إلى نظام يعيد إنتاج نفسه. إنها عملية شبيهة بما يحدث في بعض النظم الاقتصادية حين تترسخ الاحتكارات؛ فالمشكلة لا تعود في وجود مؤسسة واحدة سيئة الأداء، وإنما في أن المؤسسة تصبح قادرة على إغلاق الطريق أمام البدائل الأفضل، وتحويل امتيازها القائم إلى حاجز يمنع المنافسة والتصحيح.
وهنا تظهر ظاهرة الاختيار العكسي في سوق الكفاءات: لا يتقدم الأفضل بالضرورة، وإنما يتقدم الأكثر قدرة على التوافق مع قواعد المنظومة، حتى لو كانت تلك القواعد نفسها معادية للكفاءة، والنتيجة أن المؤسسة لا تفقد فقط أفضل عناصرها، بل تفقد أيضًا قدرتها على التعرف إلى الأفضل، لأن معايير التقييم ذاتها تكون قد تعرضت للتشوه.
وهكذا تصبح الرداءة معيارًا لتقييم الجودة، ويصبح صاحب الكفاءة موضع شك لأنه يكشف، بمجرد وجوده، أن ما يقدمه الآخرون ليس بالضرورة أفضل ما يمكن تقديمه، وإن أخطر مراحل هذه العملية ليست حين يصبح الأغبياء في السلطة، بل حين تصبح السلطة هي التي تحدد من يستحق أن يوصف بالكفاءة.
ولكن هل يستطيع الأغبياء وحدهم بناء منظومة مدمرة والحفاظ عليها؟ الإجابة أن ذلك ليس ضروريًا، بل إن أخطر المنظومات المختلة هي التي تتشكل من تحالف ثلاثي غير معلن بين ثلاثة أنماط بشرية: الغبي الذي يصنع القرار، والعاجز الذي يرى الخلل ولا يمتلك أو لا يستخدم القدرة على مواجهته، والشرير الذي يدرك الخلل لكنه يجد فيه فرصة لتحقيق مصالحه.
وهنا تصبح قراءة تشيبولا أكثر عمقًا عندما ننتقل من تصنيف الأفراد إلى تحليل العلاقات التي تجمعهم داخل بنية السلطة، فالغبي يصنع الضرر لأنه يفتقر إلى القدرة على تقدير النتائج، أو لأنه يثق في تصورات لا تخضع للاختبار، والعاجز يسمح باستمرار الضرر لأنه يرى فيه سلامته الشخصية على مصلحة المؤسسة أو المجتمع، أما الشرير فيستثمر الضرر لأنه يرى في انهيار المعايير العامة فرصة لإعادة توزيع النفوذ والثروة لصالحه.
وبين هؤلاء الثلاثة تتكون دائرة مغلقة لإنتاج الفشل، فالغبي يحتاج إلى من يبرر قراراته، والعاجز يمنحه شرعية الصمت، والشرير يوفر له شبكة المصالح التي تحميه وتستفيد من وجوده، وهكذا يصبح القرار الخاطئ محاطًا بمنظومة دفاع تتولى منع الاعتراف بخطئه، لا منع تكراره.
والأكثر مفارقة أن الشرير قد يتصور أنه قادر على استخدام الغبي وتوجيهه، وأنه يستطيع الاستفادة من ضعف قدراته للسيطرة على القرار من وراء الستار، لكنه يقع في خطأ استراتيجي جسيم؛ لأنه يتعامل مع الغباء كما لو كان مجرد أداة طيعة، بينما هو في الحقيقة قوة غير منضبطة قد تنقلب على من يستثمرها.
فالانتهازي يستطيع أن يحسب مكاسبه الخاصة، لكنه قد يعجز عن تقدير الأضرار التراكمية التي تصيب النظام الذي يستمد منه نفوذه، وقد يربح من قرار يضعف مؤسسة، ثم يكتشف أن ضعف المؤسسة نفسها قد دمر البيئة التي كانت تضمن له استمرار مكاسبه، إنه يشبه من يقطع جذور الشجرة ليحصل على ثمارها بسرعة، متصورًا أن الثمار ستظل تنمو بعد موت الجذور.
وهنا يبرز الفرق بين عقلية الاستحواذ وعقلية الإنتاج، فالأولى ترى المجتمع مجموعة أصول يمكن اقتسامها، والثانية تراه منظومة قدرات ينبغي تنميتها والمحافظة عليها، الأولى قد تحقق مكاسب خاصة على المدى القصير، بينما تترك وراءها خسائر عامة متراكمة، أما الثانية فتدرك أن استدامة المكسب الخاص ترتبط، في نهاية المطاف، بسلامة البيئة الاقتصادية والمؤسسية التي تنتجه، ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتوهم الأشرار أنهم يسيطرون على الأغبياء، بينما يكونون في الحقيقة قد ساهموا في بناء منظومة لا يستطيع أحد السيطرة على نتائجها.
وإذا انتقلنا إلى الاقتصاد السياسي، فإننا نكتشف أن الغباء المؤسسي لا يقتصر أثره على إهدار الوقت أو اتخاذ قرارات غير موفقة، بل يمتد إلى تدمير عناصر الإنتاج نفسها، فالاقتصاد ليس مجرد أموال متداولة، أو ميزانيات حكومية، أو أرقام في تقارير رسمية، إنه منظومة مترابطة من رأس المال المادي، والموارد البشرية، والمعرفة، والتكنولوجيا، والمؤسسات، والثقة، والقدرة على الابتكار، وشبكات الإنتاج والتبادل.
وهذه العناصر لا تتراكم بصورة مستقلة، وإنما يعزز بعضها بعضًا، فالمصنع يحتاج إلى إدارة كفؤة، والإدارة تحتاج إلى عمالة مدربة، والعمالة تحتاج إلى تعليم جيد، والتعليم يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تحويل المعرفة إلى مهارات، والاستثمار يحتاج إلى بيئة مستقرة وقواعد واضحة، وجميع هذه العناصر تحتاج إلى مؤسسات تتمتع بالقدرة على التعلم وتصحيح الأخطاء، وعندما يصيب الغباء المؤسسي إحدى هذه الحلقات، فإن الضرر لا يتوقف عندها، بل ينتقل إلى بقية المنظومة. فقرار اقتصادي سيئ قد لا يقتصر أثره على خسارة مالية مباشرة، بل قد يؤدي إلى تعطيل استثمارات، وهروب خبرات، وتراجع الثقة، وارتفاع تكلفة التمويل، وتدهور الإنتاجية، ثم انخفاض القدرة التنافسية، وهكذا يتحول الخطأ الإداري المحدود إلى سلسلة من الخسائر المتبادلة.
فحين يتولى مسؤول محدود الكفاءة إدارة مؤسسة منتجة، فقد يقوده سوء التقدير إلى إقصاء الخبرات واستبدالها بعناصر أقل كفاءة، فتتراجع جودة الإنتاج، وترتفع التكاليف، وتتآكل ثقة العملاء والإيرادات، وبدلًا من الاعتراف بجذور الأزمة وتصحيح القرار، يلجأ إلى تقليص النفقات وتسريح العمالة وتأجيل الصيانة وبيع الأصول، محاولًا إخفاء نتائج سوء إدارته على حساب مستقبل المؤسسة، وهكذا يتحول الكيان الذي كان ينتج الثروة إلى كيان يستهلك رأسماله للبقاء، فيصبح تدمير القدرة على الإنتاج أخطر من الصراع على توزيع الثروة؛ إذ قد يحتمل الاقتصاد خلافًا حول اقتسام ما يملك، لكنه لا يستطيع الاستمرار طويلًا إذا أخذت قدرته على إنتاج الثروة نفسها في التآكل.
ومن أهم النتائج التي يمكن استخلاصها من نموذج تشيبولا أنه يمكن فهم التفاعلات الاقتصادية والاجتماعية من خلال ثلاثة أنماط: معادلة موجبة المحصلة، يحقق فيها جميع الأطراف مكاسب متبادلة عبر خلق قيمة جديدة بالاستثمار والإنتاج والمعرفة؛ ومعادلة صفرية المحصلة، ينحصر فيها الصراع في اقتسام ثروة قائمة؛ ثم المعادلة سالبة المحصلة، وهي الأخطر، حين تتجاوز الخسائر مجموع المكاسب، بل يمتد الصراع إلى تدمير الثروة ذاتها، ومن هذا المنظور، يمكن بناء نموذج تحليلي مستوحى من منطق تشيبولا، لا باعتباره معادلة وضعها بنفسه، بل أداة لتفسير كيف تتضافر الانتهازية وسوء الإدارة والعجز المؤسسي لتوليد خسائر تتجاوز تكلفتها المباشرة، فتشمل تآكل الأصول الإنتاجية، وضياع الفرص الاستثمارية، وهجرة الخبرات، وتراجع الثقة، وتعطل التطور التكنولوجي، فخسارة الاقتصاد لا تُقاس فقط بما فقده من أموال، بل أيضًا بما عجز عن إنتاجه من ثروة كان يمكن تحقيقها لو اتُّخذت قرارات أكثر كفاءة.
وتكمن الخطورة الحقيقية في أن بعض الخسائر لا يمكن تعويضها بمجرد ضخ أموال جديدة؛ فقد يُعاد بناء مصنع، لكن استعادة الخبرات التي هاجرت والثقافة المهنية التي تآكلت والثقة التي انهارت قد تحتاج إلى سنوات طويلة، وهنا يظهر الفارق بين اقتصاد يستهلك أصوله ليحافظ على استقرار ظاهري، واقتصاد ينمِّي قدرته على الإنتاج والتجدد، فاللعبة سالبة المحصلة لا تعني بالضرورة أن الجميع يخسرون؛ إذ قد يحقق بعض الانتهازيين مكاسب خاصة، بينما يتحمل المجتمع كلفة تدمير القيمة الكلية، وهكذا يتحول الاقتصاد إلى ساحة يتنافس فيها الجميع على اقتسام ثروة تتناقص باستمرار، حتى يصبح الصراع على ما تبقى أشد من الجهد المبذول في إنتاج ثروة جديدة؛ وعندها لا تكون الأزمة مجرد سوء توزيع للثروة، بل تآكلًا في القدرة على صنعها من الأساس.
وإذا كانت المؤسسة الاقتصادية تستطيع أن تتحمل قدرًا من سوء الإدارة، فإن الدولة لا تستطيع تحمل ذلك بالقدر نفسه؛ لأن الدولة ليست مؤسسة واحدة، وإنما شبكة المؤسسات التي تنظم حياة المجتمع وتحدد قواعد توزيع الموارد والفرص والمخاطر، والدولة التي تتعرض منظومتها الإدارية للاختراق بالكفاءة الزائفة لا تخسر مجرد بعض القرارات، بل تخسر قدرتها على التنسيق بين قطاعاتها المختلفة.
ففي الاقتصاد، قد يؤدي سوء إدارة قطاع الطاقة إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج في الصناعة، وقد يؤدي ضعف التعليم إلى تراجع جودة العمالة، وقد يؤدي اضطراب السياسات النقدية والمالية إلى إضعاف الاستثمار، وقد يؤدي غياب العدالة المؤسسية إلى تراجع الثقة وتزايد الميل إلى الاقتصاد غير الرسمي، ولكن الخطر الأكبر والأفظع يظهر عندما تتفاعل هذه الاختلالات مع بعضها البعض، وتصبح كل مؤسسة عاجزة عن معالجة أخطاء المؤسسات الأخرى.
وهنا يمكن الاستعانة بمفهوم الفشل المؤسسي المتراكم (Institutional Failure)، الذي يفسر كيف يؤدي ضعف المؤسسات الرقابية والتنفيذية والتشريعية إلى تقويض بعضها بعضًا، بحيث يصبح إصلاح مؤسسة واحدة غير كافٍ لإصلاح النظام بأكمله، فالمؤسسة التي لا تستطيع إنتاج بيانات دقيقة لن تساعد صانع القرار على اتخاذ قرار سليم، والمؤسسة التي لا تستطيع تنفيذ السياسات بكفاءة ستبدد الموارد التي تخصص لها، والمؤسسة التي لا تخضع للمساءلة لن تمتلك حافزًا حقيقيًا لتصحيح أدائها.
وفي ظل هذه البيئة، تتغير وظيفة الدولة تدريجيًا، وبدلًا من أن تكون منتجًا للفرص وميسرًا للاستثمار وحاميًا للمنافسة ومنظمًا للعلاقة بين المصالح المختلفة، قد تتحول إلى جهاز ضخم لإدارة الاختلالات التي ينتجها بنفسه، وتزداد اللوائح لمعالجة مشكلات صنعتها لوائح سابقة، وتزداد اللجان لتعويض غياب المسؤولية، وتتوسع الهياكل الإدارية لتعويض ضعف الأداء، وتصبح الإجراءات غاية في ذاتها بدلًا من أن تكون وسيلة لتحقيق النتائج.
وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات قسوة في الإدارة العامة: فقد تزداد الدولة نشاطًا إداريًا، بينما تتراجع قدرتها الفعلية على الإنجاز، فكثرة الاجتماعات لا تعني جودة القرارات، وكثرة المشروعات لا تعني ارتفاع العائد الاقتصادي، وزيادة الإنفاق لا تعني بالضرورة زيادة الثروة، كما أن اتساع الجهاز الإداري لا يعني بالضرورة تحسن الخدمات، إن الدولة لا تُقاس بما تنفقه فقط، بل بما تحوله من موارد إلى قدرات إنتاجية وفرص حقيقية ورفاهية مستدامة، وهذا هو الفارق بين امتلاك القوة وإنتاجها.
ولكن السؤال الحزين الذي يفرض نفسه؛ هو إذا كانت المنظومة الغبية بهذا القدر من الضرر، فلماذا لا تتصدى له الكفاءات؟
ولماذا يصمت العقلاء رغم إدراكهم للعواقب؟ وتكمن الإجابة في أن ما يحقق المصلحة العامة قد يكلّف الفرد ثمنًا باهظًا؛ فالموظف الذي يعترض على قرار خاطئ قد يخسر موقعه، ومن يواجه مسؤولًا ضعيف الكفاءة قد يعرِّض مستقبله المهني للخطر، ومن ينسحب حفاظًا على كرامته قد يترك مكانه لمن هو أقل كفاءة، وهكذا يقع الجميع في مأزق الفعل الجماعي (Collective Action Problem) حيث ينتظر كل فرد أن يبادر الآخرون بالمواجهة، في محاولة لحماية نفسه، بينما تتفاقم الخسائر التي يتحملها الجميع.
ولا يعني ذلك أن كل صمت تواطؤ، فقد تفرض الظروف أحيانًا قيودًا حقيقية على القدرة على الاعتراض، لكن حين يصبح الصمت قاعدة، وتتقدم السلامة الشخصية على المصلحة العامة، وتفقد المؤسسة قدرتها على اكتشاف أخطائها وتصحيح مسارها، عندئذ لا تعود المشكلة في القرار الخاطئ وحده، بل في منظومة تخشى الحقيقة وتعاقب من يكشفها؛ فيقول المرؤوس ما يرضي المسؤول، ويكتب التقرير ما يريد رؤيته، حتى تتسع الفجوة بين الواقع الفعلي والصورة التي تصل إلى مركز القرار، وهنا يتحول الخلل المعرفي إلى خلل مؤسسي وسياسي، وتصبح الحقيقة الغائبة وقودًا لتكرار الأخطاء، لأن من يتخذ القرار لا يرى الواقع كما هو، بل كما صاغته المصالح والمخاوف والمجاملات.
فإن الحضارات لا تسقط بالضرورة عندما تنفد مواردها، بل قد تسقط حين تفقد القدرة على إدارتها وتحويلها إلى قوة إنتاجية حقيقية، فامتلاك الموقع الاستراتيجي والثروات الطبيعية والسوق الواسعة والقوة البشرية والبنية التحتية لا يضمن التقدم ما لم تسنده مؤسسات كفؤة، وقيادات واعية، وسياسات تستند إلى المعرفة والبيانات، ونظام يسمح للكفاءات بالصعود ويحاسب المسؤولين عن الإخفاق.
وحين تغيب هذه الشروط، تبدأ حلقة التراجع: قرارات غير رشيدة تُضعف الإنتاج، وخسائر متراكمة تفرض ضغوطًا مالية، فتتجه الدولة إلى حلول قصيرة الأجل على حساب الاستثمار في التعليم والصحة والتكنولوجيا، وتتراجع الإنتاجية، ويتزايد الاعتماد على الاقتراض أو بيع الأصول واستنزاف الموارد القائمة، لتعود الأزمة بصورة أشد تعقيدًا.
ولا يعني ذلك أن الاقتراض أو بيع الأصول دليل على الفشل في حد ذاته؛ فالعبرة بكيفية توظيف الأموال، وبما إذا كانت هذه الأدوات تبني قدرة إنتاجية جديدة أم تكتفي بتغطية اختلالات متكررة، فالدين الذي يمول استثمارات ترفع الإنتاجية وتخلق فرص العمل قد يكون أداة للتنمية، أما الدين الذي يُستخدم لتعويض الخسائر دون معالجة أسبابها، أو بيع الأصول دون بناء بدائل منتجة، فيحوِّل الأزمة من نقص في السيولة إلى عجز عن توليد الثروة.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: أن تتحول الدولة من استثمار مواردها لصناعة المستقبل إلى استنزاف ما راكمته في الماضي، فتظل تملك عناصر القوة، بينما تتآكل قدرتها على تحويلها إلى قوة فعلية، فالحضارات لا تفقد مستقبلها حين ينقص ما تملكه فحسب، بل حين تعجز عن تصحيح أخطائها وتجديد قدرتها على الإنتاج.
ولكن الغباء ليس قدرًا محتومًا، ولا يعني وجوده في الأفراد أن انهيار المؤسسات والمجتمعات أصبح حتميًا، فالخطر الحقيقي لا يكمن في محدودية كفاءة بعض المسؤولين بقدر ما يكمن في طبيعة النظام الذي ينظم اختيارهم ومساءلتهم وتداول المعلومات وتوزيع السلطة، فحين يصبح الولاء الشخصي معيارًا للتعيين والترقي، وتُحتكر المعرفة والقرارات في يد شخص أو دائرة ضيقة، ويُقصى أصحاب الخبرة لمجرد اختلافهم، ويتحول الاعتراض إلى تهديد، والمحاسبة إلى إجراء انتقائي، فإن النظام لا يكتفي بالسماح للخطأ، بل يصنع البيئة التي تحميه وتعيد إنتاجه، وهكذا يصبح المسؤول الأقل كفاءة أكثر قدرة على الصعود، بينما تتحول الكفاءات إلى عناصر هامشية، لا لأن المؤسسة تفتقر إليها، بل لأن قواعدها تعاقب ما تحتاج إليه.
ومقاومة هذا الخلل لا تبدأ بافتراض أن جميع المسؤولين يجب أن يكونوا حكماء، وإنما ببناء مؤسسات لا تسمح لأخطاء الأفراد بأن تتحول إلى كوارث عامة؛ مؤسسات تفصل بين سلطة اتخاذ القرار ومراجعته ومحاسبة صاحبه، وتجعل الكفاءة والنزاهة معيارًا حقيقيًا للاختيار، وتحمي استقلال الخبرة المهنية وحق الاعتراض العلمي، وتربط تقييم المسؤولين بالنتائج لا بالتقارير التي تجمل الواقع.
والأهم أن تتيح الاعتراف بالخطأ وتصحيحه دون أن يتحول ذلك إلى عقوبة لمن كشفه، فالمؤسسة القوية لا تخشى الحقيقة، بل تتعلم منها، أما المؤسسة التي تكافئ من يخفي الفشل وتعاقب من يفضحه، فإنها تحكم على نفسها بتكرار الأخطاء، وفي النهاية، لا تكمن خطورة الغباء في وجوده، بل في نظام يمنحه السلطة، ويحميه من المساءلة، ويجعل العقلاء عاجزين عن إيقافه.
الخاتمة: ليست الكارثة أن يحكمنا الجهل، بل أن نفقد القدرة على اكتشافه. يعلِّمنا التاريخ أن الحضارات لا تسقط دائمًا بسبب نقص الموارد أو تفوق الخصوم، بل قد تبدأ رحلة انحدارها حين تفقد القدرة على إدارة ما تملك، وتتحول مؤسساتها من أدوات لحماية المجتمع وتطويره إلى آليات تحمي أخطاءها وتعيد إنتاجها.
فالمجتمعات لا تحتاج إلى قادة استثنائيين بقدر حاجتها إلى مؤسسات تجعل العقلانية قاعدة للعمل العام، وتحاصر الخطأ بالمراجعة والمساءلة، وتفتح الطريق أمام الكفاءات، أما حين يُقصى العالِم لأنه يعرف، ويُكافأ الجاهل لأنه لا يشك، ويُعتبر الصامت حكيمًا لأنه لا يعترض، والانتهازي ناجحًا لأنه يجيد اقتناص المكاسب الخاصة، فإن الغباء يتجاوز حدود الأفراد ليصبح نظامًا يعيد تشكيل السلطة وفق معاييره، ويعيد تعريف النجاح والفشل بما يخدم بقاءه.
وعندها لا تكون الكارثة في أن يتخذ المسؤول قرارًا خاطئًا، فكل الدول تخطئ، وإنما في أن تفقد المؤسسة قدرتها على اكتشاف الخطأ والاعتراف به وتصحيحه، فتتحول من أداة لحماية المجتمع إلى أداة لحماية من تسببوا في أزماته. فإن أخطر ما يواجه أمة ليس ما تفقده من أموال أو أصول أو موارد، فكل ذلك يمكن تعويضه وإعادة بنائه، وإنما ما تفقده من قدرة على التفكير والتعلم وتصحيح المسار، فالمصانع يمكن تشييدها، والطرق يمكن إصلاحها، والديون يمكن جدولتها، لكن استعادة مؤسسات أفسدها الغباء المؤسسي، وأُقصيت منها الكفاءات، وغابت عنها الحقيقة، قد تكون أصعب وأطول كلفة.
وهنا تكمن العبرة التي يتركها لنا التاريخ: فقد تخسر الدولة ثروتها فتنهض من جديد، لكنها حين تفقد القدرة على فهم أسباب خسارتها، فإنها لا تكرر أخطاءها فحسب، بل تتحول إلى مؤسسة كبرى لإنتاج الأخطاء، فالغباء الفردي قد يعطل قرارًا، أما الغباء المؤسسي فيستطيع أن يُدمِر أمة بأكملها.
------------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش






